هكذا أشار يسوع إلى بطرس ويوحنا ، أن رب البيت سيريهما علية كبيرة مفروشة معدة ، فيها يأكل الفصح مع تلاميذه ! مر 14 : 15وكما يتضح من إسمها فهى حجرة فِى الطابق العلوى من الدار وغالباً ما يكون لها سلم خارجى منفصل عن البيت ، يمكن لمستخدمها أن يدخلها ويغادرها دون أن يمر على أصحاب البيت .
ويُجمع آباء الكنيسة أن العلية المقصودة هنا هى بيت مريم أم القديس مرقس ، حيث أكل يسوع الفصح مع تلاميذه ، وغسل أرجلهم ، وأعطاهم جسده ودمه الأقدسين . وهى التى إختبأ فيها الرسل ، بعدما غلَّقوا أبوابها ، منذ صلب يسوع وحتى ظهوره لهم مساء أحد القيامة وأحد توما ! وفيها أيضاً أقاموا بعدما رجعوا من جبل الزيتون حين ارتفع يسوع عنهم ، وظلوا مواظبين بنفس واحدة على الصلاة والطلبة مع النساء ومريم أم يسوع ومع إخوته أع 1 : 9 – 14 وفيها أختير متياس رسولاً عوضاً عن يهوذا . وأخيراً شهدت ميلاد الكنيسة يوم الخمسين حين حل الروح القدس. وإن كان كل شئ يُقدَّس بكلمة الله والصلاة 1تى 4 : 5 فكم تقدست هذه العلية بحلول الله فيها ، وهذه الأحداث الجليلة التى تمت بين أرجائها ! تـُرى لو سأل يسوع ، أين هو المنـزل أو أين هو موضع راحتى ، هل يجد فِى بيوتنا عُلية كبيرة مفروشة معدة ؟ هل نقدم له قلوبنا عُلّيات كبيرة مفروشة معدة ؟ هل يجد فِى بيوتنا عُلية للصلاة ! يصعد إليها الذهن فيصفو متسامياً فوق ضجيج الأرض وضوضاء البشر ! حقاً كما قال ق. كيرلس عمود الدين " أولئك الذين يسكن فيهم المسيح بالإيمان ، لهم ذهن مرتفع عال ، يبغض الزحف على التراب ويرفض الالتصاق بالأرض ، وفِى كل شئ يطلب ما هو سامٍ فِى الفضيلة لأن ليس لهم هنا مدينة باقية لكنهم يطلبون العتيدة . وبينما هم يسيرون على الأرض فإنهم يفكرون فِى تلك الأمور التى فوق ، وسيرتهم فِى السماء " .
علية كبيرة .. تـُرى هل خصصنا مكاناً لذاك الذى لأجلنا قدَّس ذاته وكرَّسها ؟ هو لا يطلب حجرة كاملة لكنه يستأذن فِى ركنٍ صغير منها ، هل تفرّح قلبه ؟ وإن كان يسوع لا يطلب مكاناً متسعاً ليكون عُلية ، لكنه يطلب قلباً متسعاً يصلح عُلية كما عبَّر ق. بولس " فمنا مفتوح إليكم أيها الكورنثيون ، قلبنا متسع .. كونوا أنتم أيضاً متسعين " 2كو 6 : 13 قلب يتسع للأحباء وأيضاً للأعداء ، قلب يحتوى الأشرار قبل الأبرار . قلب يحلو لنا أن نصف سعته بأنه God – sized heart أى قلب بحجم الله ! علية مفروشة .. هل تتخيل منــزلك وهو غير مفروش ، وقد أُنزلت ستائره ، ولُفَّت سجاجيده ، ونـُزعت مفارشه ، وتعرّت كنباته ، وتبعثرت كراسيه ! هل تتجاسر فتدعو أصدقاءك لزيارتك ، ومنــزلك هكذا .. هل تقبل ؟ وماذا يقولون حين يزورنك ؟ لكن حين تـُُسدل الستائر وتـُُفرش السجاجيد وتكتسى الكنبات وترتب الكراسى وتـُلمَّع النجفات والأيقونات ، يظهر جماله ، ويتلألأ بهاؤه ويصبح جاذباً لزائريه ، مريحاً لمن فيه ! ربى يسوع .. هبنى حينما تقف على باب عُلّية قلبى قارعاً ، أن أفتح لك مسرعاً ، مستعداً ومرحباً ، فستائر قلبى قد أسدلتها تتداخل فيها بانسجام خيوط نعمتك مع خيوط جهادى ومحبتى ! فرشت أرضى بسجاجيد توبتى ، تفصل بين قدمىَّ وما تحتها ! صلاتى وأصوامى ، دعتى وإتضاعى ، صمتى وكلماتى .. مفارش ، تزدان بها عليتى .. الكراسى لممتها والكنبات كسوتها ، مستعدة لمجيئك ، يقدسها حضورك ، وقديسوك يباركونها ! مستعد قلبى يا الله ... مستعد قلبى ! هبنى يا يسوع أن أخلع ثيابى وأفرشها لك فِى الطريق وأضعها على الأتان الذى تمتطيه .. فمتى دخلت عليتى ووجدتنى عرياناً فإنك "ثياب خلاص تلبسنى ورداء البر تكسونى" !
علية معدة .. مهيأة ومجهزة .. مكنوسة ومزينة .. كل ما يحتاجون إليه قد أُعِدَّ ، صحافها ( أطباقها ) وكؤوسها ، خمرها وخروفها ، وقد نـُزع خميرها . أعرف يا يسوع أنك إله نظام .. وكل شئ معد عندك . ثيرانك ومسمناتك قد ذَبَحْتَ " غداؤك قد أَعْدَدْتَ " مت 22 : 4هب قلبى أن يكون عُلية معدة لك .. مكنوساً من كل نفايات العالم ، مزيناً بكل فضائل .. كؤوسه جاهزة تسكب فيها خمر حبك، وصحافه معدة تبذل فيها جسدك لأجلنا ، وها خمير الشر قد نـُزع من كل أرجائه !ربى يسوع .. يا من أعددت حوتاً لاستقبال يونان ، وأعددت يقطينة تظلل عليه ، ومضيت لتعد لنا مكاناً فِى السماء ، ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر ، ما أعددته يا الله لمحبى إسمك القدوس ، أعدد قلبى وبيتى وحياتى ليكونوا لك علية كبيرة مفروشة معدة ! |