بيلاطس البنطى .. إسم تردده ملايين الشفاه فى كل الأقطار ، وتنطق به حناجر الصغار والكبار حين يتلون قانون إيمانهم فى الليل وفى النهار « بالحقيقة نؤمن بإله واحد .. نؤمن برب واحد يسوع المسيح ... تأنس وصُلب عنا على عهد بيلاطس البنطى ... » وفى الإعتراف الأخير فى نهاية القداس الإلهى يصرخ اباؤنا الكهنة وهم رافعين جسد يسوع فوق رؤوسهم
« .. واعترف الإعتراف الحسن أمام بيلاطس البنطى ... » ما أبأسك يا بيلاطس ! لقد إقترن إسمك بإسم الفادى الحبيب ، إقتران يدينك مدى الدهور ، ويحكم عليك إلى أبد الأبدين ، ففى قصة الصليب ذَكَرَك ق . متى 9 مرات ، ق . مرقس 10 مرات ، وكذا ق . لوقا ، أما ق . يوحنا فقد أورد إسمك 20 مرة ! من أين أتيت بلقبك : « البنطى » ؟ هل كنت تنتسب إلى « بنطس » الواقعة على ساحل البحر الأسود ! ربما ... هل لأن ترتيبك كان الخامس بين الولاة الرومانيين الذين تعاقبوا حكم اليهودية منذ أن أخضعها بومبى سنة 63 ق . م ، حيث كلمة « بنطا » تعنى خمسة ! ربما ملحوظة : من الكلام السابق نستنتج أن كلمة البنطى هى صفة أو لقب لبيلاطس ، لكن يوجد رأى حديث يقول : أنها جزء من إسمه اللاتينى Pontius Pilatus ( بونتيوس بيلاطس ) أعلم أن ولايتك دامت عشر سنوات من 26 – 36 م . تـُرى هل كنت شاباً يافعاً حين حكمت على يسوع ؟ لا أظن ، فالقانون الرومانى لا يسمح بمنصب الولاية لمن هم أقل من 27 سنة ! ولابد أنك مارست مهاماً أخرى قبل ولايتك مكَّنتك من إجادة الأمور الإدارية والعسكرية ! أغلب ظنى أن عمرك كان يقترب من عمر السيد الرب حين وقف أمامك للمحاكمة. قرأت الكتاب مراراً وتكراراً عَلِّى أقترب من شخصيتك ، ودرست ما كتبه عنك تاسيتوس المؤرخ الوثنى ، وفيلو اليهودى السكندرى ، ويوسيفوس المؤرخ اليهودى ، كيما أعرف أعماقك ، وما أدخلته السلطة إلى تلك الأعماق ! * القسوة والدموية : تـُرى كيف تكون القسوة حينما يقف وراءها الكبرياء ، وتحميها السلطة ! وأى قسوة أرهب ، وأى دموية أبشع يا بيلاطس من أن تخلط دم البشر بدم الماشية ، وكأنه تتساوى عندك دماء الإثنين ! ألم تخلط دماء الجليليين بذبائحهم لو 13 : 1 مع أنهم لم يكونوا تحت سلطانك بل تحت سلطان هيرودس ، مما أوجد العداوة بينكما والتى تلاشت وصرتما صديقين بعدما أرسلت يسوع إليه حينما علمت أنه جليلى تحت سلطنة هيرودس ! لو 23 : 7 – 12 ملحوظة : كانت ولاية بيلاطس تشمل السامرة واليهودية ( مملكة أرخيلاوس السابقة ) ، أما هيرودس فكان رئيس ربع فى الجليل ( أى ربع مملكة هيرودس الكبير التى قُسمت بين أولاده الثلاثة بعد مماته : 1/2 لـــ أرخيلاوس ، 1/4 لــــ هيرودس أنتيباس ، و 1/4 لــــ فيلبس ) . أما لماذا قتلتهم ، فمعروف أنك حينما فكرت فى مشروع مد أورشليم بمياه نقية من ينابيع الجنوب عن طريق قناة مائية من بركة سلوام إلى داخل المدينة ، نحو 25 ميلاً ، أردت تمويله من خزانة الهيكل ، ما دامت المياه تستخدم فى الهيكل بكثرة للتطهير والغسلات وتنظيف الذبائح إلا أن اليهود إعتبروا ذلك تدنيساً للمقدسات ، ولما ثار الجليليون الذين تواجدوا فى أورشليم لتقديم ذبائحهم قتلتهم وخلطت دماءهم بدماء ذبائحهم ! يا لجبروتك يا بيلاطس ! تعرف أن اليهود هم أشد الناس تعصباً وتطرفاً وتصلُّباً من جهة مشاعرهم الدينية ، حقيقة أدركها كل أباطرة الرومان ، وحسبوا لها ألف حساب ، إلا أنك تعاليت عليهم واحتقرتهم وتمنيت أن تطأ أعناقهم بقدميك ! ألم يستقر المقر الرسمى للرومان فى قيصرية وليس فى أورشليم ! ولماذا ؟ أليس لإحترام مشاعر اليهود فى إعتبارهم مدينة أورشليم مدينة مقدسة لا يجوز أن يوضع فيها أى رسم أو شعار وثنى ! ألم يعتاد الرومان عند دخولهم أورشليم أن ينـزعوا صورة الإمبراطور أو النسر الرومانى ، تجنباً لإثارة اليهود ! إلا أنك لم تبالى وكسرت كل تلك العوائد مستهيناً بالمشاعر ومستخفاً بالمقدسات وأمرت بإقامة البيارق ( الأعلام الكبيرة ) والألوية ، التى تحمل صورة القياصرة : طيباريوس ، أوغسطس ، ويوليوس ، فوق أسوار القلعة التى تـُرى من الهيكل ! ولولا الثورة العارمة التى قام بها اليهود آنذاك لما تراجعت عن كبريائك وقسوتك ! أظنك لم تكن تتمنى أن يُؤتى إليك بيسوع لتحاكمه بل أن يُؤتى بقيافا وحنان لتطأ عنقيهما وتـُُزهق روحيهما ! التحذيرات ... رغم العدالة التى إشتهر بها الرومان ، إلا أن العدالة عندك قد إمتزجت بأهوائك الشخصية واختلطت بهلعك من فقد كرسيك ، ورغم التحذيرات الكثيرة التى اختصك بها اللـه إلا أنك صَمَمْتَ أُذنيك عن السمع ، وطمست عينيك عن أن ترى ، وأخيراً أسلمته ليُصلب . 1 - ألم ترى وجه يسوع ! - ألم يهز أعماقك بوداعته وحنوه وحزنه وصلابته ، التى لم تهتز أمام صولجانك ! - ألم تلاحظ الفرق الرهيب بين وجهه ووجه قيافا ! ألم تدرك من أول نظرة مَنْ الجانى ، ومَنْ المجنى عليه ! - ألم تنفرد به مرتين أثناء محاكمته ! فى الأولى لم ينكر أنه ملك ، لكنه أوضح لك أن مملكته ليست من هذا العالم يو 18 : 36 ، ألم تكترث بهذه المملكة التى ليست من هذا العالم ! وفى الثانية ، صحَّح لك مفاهيمك عن سلطانك ، وأعلمك أنه لم يكن لك عليه سلطان البتة لو لم تكن قد أُعطيت من فوق لو 19 : 11 ألم تفكر فى هذا السلطان الفوقانى ، فوقك أنت ، وفوق قيصرك طيباريوس ، وفوق كل أباطرة العالم قاطبة ! . 2 – الحلم المؤلم .. - ألم ترسل لك زوجتك كلوديا محذرة « إياك وذلك البار . لأنى تألمت اليوم كثيراً فى حلم من أجله » مت 27 : 19 وهل لها أن ترسل إليك أو تتصل بك وأنت فى معمعة قضية خطيرة كهذه ، لولا ضخامة الرعب الذى أصابها من جراء ما حلمت ! تـُرى .. ماذا رأت فى حلمها ؟ هل رأت الدينونة ، وقد إنقلبت الأوضاع وجلس يسوع على كرسيه يدين الشعوب ، وإذ بملائكته يقربونك إليه مرعوباً مرتعداً وكأن دمك قد تصفى ، فَشَحُب وجهك وجحظت عيناك ، وإرتعشت يداك ورجلاك ! ربما لكن ماذا يفعل بيلاطس أو كما قال لليهود : « ماذا أفعل بيسوع الذى يُدعى المسيح ؟ » مت 27 : 22 لقد وُضع بيلاطس بين فَكَّى الرحى : فك يقول يسوع برئ ويجب أن تحكم بإطلاقه ، وفك آخر يقول : كرسيك ربما يُسحب من تحتك إلى الأبد لو حكمت بإطلاقه ! وبدأت قصة الهروب من بين فَكَّى الرحى ، وربما سارت فى عدة مخارج باءت جميعها بالفشل « ضاع المهرب منى .... » 1 – الحكم بعدم الاختصاص : فمع انه كان فى خصومة وعداوة مع هيرودس ، لكنه ما أن سمع عن المسيح أنه جليلى حتى هرب من القضية بدعوى عدم اختصاصه ! « فلما سمع بيلاطس ذِكر الجليل سأل هل الرجل جليلى. وحين علم أنه من سلطنة هيرودس أرسله إلى هيرودس إذ كان هو أيضاً تلك الأيام فى أورشليم » لو 23 : 6 ، 7 هدأ البال ، وسكت الضمير من أنينه ولمع الصولجان .. لكن إلى حين ! فرح هيرودس جداً .. ترجى آية يصنعها يسوع ، لكنه لم يفعل .. سأله فلم يجبه .. احتقره وإستهزأ به وألبسه لباساً لامعاً ورده إلى هيرودس !! لم ينجح الهروب بدعوى عدم الاختصاص .. لا مانع من اختيار مهرب آخر ... 2 - الحكم بعقوبة أخف : عقوبة ظالمة وبدون مبرر ... لكن وليكن .. فهى أخف من الموت ! ليُجلد البرئ جلداً قاسياً يو 19 : 1 وقف جلادان يجلدان يسوع وهو منكفئ على عامود الجلد القصير مثل قوس ، وفى يد كل منهما سوط ، ينبثق منه ثلاثة سيور ، كل منها ينتهى بقطعتين من العظم أو الرصاص تحفران جروحاً غائرة فى جسد يسوع ! تـُرى كم جلدة جُلدها يسوع ؟ لا قانون يحسب ، ولا أحد يعد ! .. صار جسده كأرض شققها محراث بسلاحه القوى طولاً وعرضاً .. ظن بيلاطس أن الجسد الذى تهرأ كفيل أن يشفى غليل الرؤساء والفريسيين ، لكن هيهات ! عجباً عليك يا بيلاطس ، وأنت متيقن من براءة يسوع تحكم عليه بالجلد لتؤدبه ! - هل يمكن أن تـُُعالج العدالة بأى ظلم ، حتى لو كان أقل ضرراً ! - هل يُصَحَّح خطأ بأى نوع من الأخطاء ! - هل يمكن الهروب من الشر الأقسى بشر أقل ! ويحك يا بيلاطس ، لقد ساومت على عدالة روما التى شعارها " أقم العدل ولو تسقط السماء " إنتهت الجلدات .. ترنـَّح يسوع شبه مائت .. لكن تعالت الأصوات : أُصلبه .. أُصلبه ! وآسفاه ضاع المهرب الثانى لكن نـََجَدَه ذكاؤه بسرعة ولاح فى الأفق المهرب الثالث 3 – المساومة على استبدال البرئ بمجرم : للمرة الثالثة يخونك ذكاؤك يا بيلاطس ! تصورت أنهم سيفضلون المسيح على باراباس اللص القاتل الذى أثار الرعب والذعر لدى أهل أورشليم ، ونسيت أنهم شعب يسوقهم قادتهم كقطعان الماشية ، لا يستطيع أحد أن يُعبِّر عن شخصه أو عن رأيه وإلا يُخرج خارج المجمع ، محروماً من كل حقوق ، دينية أو مدنية ! علمت أن رؤساء الكهنة كانوا قد أسلموه حسداً مر 15 : 10 والحسد يورث الحقد البالغ الذى لا أمل فى علاجه أو البرء منه ! أعذرك لأنك لم تقرأ تاريخ هذا الشعب .. + فلم تتسع الأرض لأول أخوين ، فقتل قايين أخاه هابيل لأنه حسده . + وحينما حسد أولاد يعقوب أخاهم يوسف ، تحولوا إلى وحوش ردية وغمسوا قميصه فى الدم ، وهم يظنون أنهم قضوا عليه إلى الأبد ! + وحينما غَنـَّت بنات إسرائيل لداود بعدما قتل جِليات ، تحول شاول إلى ذئب مفترس يلهث وراء داود الليل والنهار ، يريد قتله بسبب الحقد الذى ملأ قلبه . + وكم من ملايين الجرائم إرتـُكبت وتـُرتكب كل يوم ، يقف وراءها الدافع الوحشى ، دافع الحسد ! وهكذا ضاع المهرب الثالث .. لكن لا بأس من تمثيلية أخيرة تريح الضمير وتثبِّط وخزاته .. 4 – غسل اليدين : « فلما رأى بيلاطس أنه لا ينفع شيئاً بل بالحرى يحدث شغب ، أخذ ماء وغسل يديه قدام الجمع قائلاً : إنى برئ من دم هذا البار . أبصروا أنتم » مت 27 : 24 - شهادة صارخة يا بيلاطس على براءة المصلوب ! فيسوع لم يُصلب من أجل جُرم اقترفه أو علة إرتكبها بل هو « مجروح لأجل خطايانا ، مسحوق لأجل آثامنا .. » إش 53 : 5 - أبصروا أنتم .. قالها بيلاطس للجمع وخصوصاً الرؤساء ، وقد سبق الروساء وقالوها ليهوذا " أنت أبصر " حينما أدرك خطأه إذ سلم دماً بريئاً مت 27 : 4 - تـُرى يا بيلاطس لو غسلت يديك عدة مرات بالماء والصابون أو حتى بمياه النار . هل تـُزيل منها دم المصلوب البرئ ! - أظنك ، طالما حييت ، كلما نظرت إلى يديك وجدتهما حمراويتين بحمرة دم الحمل ... آه لو كنت إعترفت بخطيتك لكان دم الحمل طهرك من كل خطية ! - هات مغسلك يا بيلاطس لكيما يغسل فيه كل مجرم يديه من جريمة إرتكبها ، وكل عالم بالحق يسكت إرضاء للجماهير ، وكل خادم يغض الطرف عن خطية مشينة وراءها ذو مركز وغنى ! وهكذا جاءت النتيجة الحتمية : خذ هذا واطلق لنا باراباس ¬ لو 23 : 18 1- وأما يسوع فجلده وأسلمه ليُصلب . مت 27 : 26 2- وأسلم يسوع بعدما جلده ليُصلب . مر 15 : 15 3- وأسلم يسوع لمشيئتهم . لو 23 : 25 4- فحينئذ أسلمه إليهم ليًصلب . يو 19 : 16 النهاية : حماقة من حماقات بيلاطس .. فقد زعم أحد السامريين أنه يعرف مكاناً فى جبل جرزيم خبأ فيه موسى آنية الذهب الخاصة بخيمة الإجتماع ( معروف أن موسى لم يَزُر هذا الجبل مطلقاً إذ لم يعبر موسى نهر الأردن إلى غربه حيث يوجد جبل جرزيم ) .. إجتمع جمع غفير إستعداداً لتسلق الجبل والبحث عن الكنــز وكانوا يحملون أسلحة ، ففسر بيلاطس ذلك بأنه عصيان مسلح وقتل الكثيرين منهم ..فرفع السامريون شكواهم إلى رئيسه فيتليوس الحاكم الرومانى على سوريا ، فخلعه وأمره بالذهاب إلى روما للمحاكمة أمام طيباريوس قيصر ، لكن مات طيباريوس قبل وصول بيلاطس إلى روما . والمرجح أنه نـُُفى إلى مدينة فيننا فى بلاد الغال حيث إنتحر هناك ، كما يقول يوسابيوس . مات بيلاطس ، لكن ظل سؤاله مطروحاً إلى الآن : ماذا أفعل بيسوع الذى يُدعى المسيح ؟
قال الإسخريوطى: أبيعه وقال هيرودس: أطلب منه آية وقال باراباس: أستبدل به مكانى وقالت بنات أورشليم : نبكى عليه وقال قيافا: أسلمه وقال بيلاطس: أغسل يدى منه وقال القيروانى : أحمل الصليب خلفه
وأنت ... ماذا تقول ؟ |