هـــو : خادم نشيط ، محب للبحث والدراسة ، يخدم فصل إعداد الخدام بكنيسته ، تستهويه مقارنات العقائد وحوارات الأديان ، لذلك فهو يحرص على متابعة المعرض السنوى للكتاب ، يستعرض أحدث إصداراته فِى كل مكتباته ، علمانية أو دينية ، مسيحية أو غير مسيحية .. هــى : فتاة جامعية ، ترتدى حجابها فِى وقار ، تنشد الحقيقة . لذلك فهى تقرأ وتدرس وتسأل وتتحاور مع كل من تتوسم فيه ثقافة الحوار وجَدِّيته . ولأن موارد الأسرة المالية غير ميسرة ، لذلك فقد حرصت كل عام على العمل بإحدى المكتبات المتخصصة فِى الكتب الإسلامية طوال فترة المعرض السنوى للكتاب لتستكمل مصروفاتها ولوازم كليتها ودراستها ..
أشرق العام الجديد وهلَّ ينايره ، وأُقيم المعرض كالمعتاد فِى أرض المعارض . ذهب " هـو " كعادته ، دخل إحدى المكتبات ، تصادف أنها تلك التى تعمل بها " هـى " .. فدار بينهما الحوار التالى : هــى : أود أن أساعد حضرتك ، فيما تبحث ؟ هــو : أبحث عن كتب أو مقالات لمشاهير الأئمة والعلماء فِى تفسير سورة مريم وسورة آل عمران ! هــى : منذ دخلت المكتبة ، توسمت فيك مسيحيتك ! لكن لماذا تلك السورتين بالذات ؟ هـــو : أريد أن أعرف رأى قرآنكم فِى أمنا العذراء القديسة مريم ! هــى : نحن نحب ستنا " مريم " ونُجِلُّها لأن قرآننا أكرمها كثيراً ، وبالمناسبة لقد إطَّلَعْتُ على كل آراء آئمتنا وتفاسير علمائنا لهاتين السورتين ! هـــو : إذاً ، أنتِ البديل للتفاسير ! تُرى ماذا قالوا فِى تفسير آية آل عِمْران ع 37 « فَتَقَبَّلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا . كلما دخل زكريا المحراب ( الهيكل ) وجد عندها رزقاً ، قال يا مريم أنَّى ( = من أين ) لكِ هذا ، قالت : هو من عند الله ، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب » . هــى : هذه آيات تخص مريم ، والأفضل أن نبدأ بما قبلها والذى يخص الحبل بمريم وولادتها ، إذ قالت إمرأة عِمْران : « ربِ إنى نذرت لك ما فِى بطنى مُحرَّراً ( من مشاغل الدنيا لخدمتك ) فتقَبَّلْ منى ، إنك أنت السميع العليم . فلما وَضَعَتْها ( ولدتها ) قال ربِ إنى وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت ، وليس الذكر كالأنثى ، وإنى أسميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم » ع 34 ، 35 هـــو : ما نعرفه بإسم يواقيم ( والد القديسة مريم ) يدعوه قرآنكم " عِمْران " وزوجته هى القديسة حنة . هــى : هـــو : هذا موضوع آخر ! فيسوع عندكم يُدعى فِى قرآننا " عيسى " ويحيى تدعونه يوحنا .. المهم ، فالقرآن لم يهتم بـ ستنا مريم فقط بل إهتم بأمها حنة ونذرها ما فِى بطنها ! لقد نذرت مولودها للرب ولخدمة هيكله ، فلما ولدت أنثى ( هى ستنا مريم ) تأسفت وتحسرت ( حيث لا تستطيع الأنثى وغير مصرح لها أن تخدم بيت الله ) وقالت ليس الذكر ( الذى طلبته ) كالأنثى ( التى ولدتها ) . مع هذا التفسير ، كان الأفضل أن تقول « ليس الأنثى كالذكر » فيكون المفضَّل هنا هو الذكر على الأنثى ، لكنها قالت « ليس الذكر كالأنثى » بمعنى أفضلية الأنثى على الذكر ! وأظن أننى قرأت تفسيراً يقول إن هذه الجملة هى من كلام الله وليس تكملة لكلام حنة ، ويُقصد بها أن الذكر الذى كنتِ تريدينه يا حنة ليس مثل هذه الأنثى ( التى سوف أجعل لها شأناً عظيماً ) هــى : أرى أنك بليغ فِى اللغة العربية ، وأظن أن قراءتك الكثيرة فِى القرآن وراء تلك البلاغة ! أما « أعيذها بك من الشيطان الرجيم ( المطرود ) » فيذكر الشيخان فِى حديث أنه « ما من مولود يولد إلا مَسَّه الشيطان حيث يولد فيستهل صارخاً ( صراخ المولود عقب ولادته ) إلا مريم وإبنها » هـــو : أشكرك ، فمريم كأنثى هى أفضل من الذكر ( رغم تَدَنِّى مكانة الإناث فِى ذاك العصر ) وهى أيضاً لم تُمس من الشيطان . وإذا كان هذا هو شأن القديسة مريم ، فماذا يكون شأن وليدها ! تُرى ماذا قالوا فِى تفسير الآية 37 ؟ هــى : « فتقبَّلها ربها بقبول حسن » أى قبلها برضى كنذيرة من أمها ، ويقول العلامة الشيخ متولى الشعراوى ( رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ) تحت عنوان "مريم تحت التربية الربانية" أن الحسن شئ فوق الرضا ، فهو قبول ليس عادياً إذ كانت مريم تحت التربية الربانية منذ بدايتها الأولى فِى بطن أمها كما يرعى الفلاح نباته بالعناية والنماء . هـــو : يكفِى أن يشهد القرآن أن مريم ترَّبت تربية ربانية فوقانية ، فعندما كان يدخل إليها زكريا يجد عندها طعاماً وعندما يسأل عن مصدره تجيبه : من عند الله. وإستطرد : ماذا تذكرين أيضاً من شهادة القرآن لمريم؟ هــى : فِى نفس السورة يذكر القرآن إختياره لمريم وتفضيله لها على سائر نساء العالم « وإذ قالت الملائكة : يا مريم إن الله إصطفاك وطهرك وإصطفاك على نساء العالمين » ع 42 هـــو : تكررت كلمة "إصفطاك " ... هل عن قصد؟ هــى : يقول الشيخ الشعراوى : إصطفاك " الأولى " أنه إصطفاها ضمن إصطفاء آل عمران ، أما الثانية فقد إصطفاها وحدها على كل نساء العالمين فِى أى زمان ومكان من بدء الخليقة حتى قيام الساعة ، وذلك للمهمة التى لم تقم بها إمراة غيرها فِى العالم ! هـــو : شهادة رائعة .. تفضيل مطلق لأمنا مريم ! تُرى ما رأى القرآن فِى عذراوية القديسة مريم ، وماذا يقول الفقهاء ؟ هــى : لا ينكر القرآن عذراوية ستنا مريم ! ففِى سورة مريم حينما أتاها جبريل يبشرها بسيدنا عيسى تساءلت : أنَّى يكون لى غلام ولم يمسسنى بشر ( أى لم أتزوج ) ولم أكُ بَغِيَّاً ( أى لست زانية ) فطمأنها جبريل قائلاً : كذلك قال ربك هو علىَّ هيِّن ( أى ليس مستحيلاً على الله ) ولنجعله آية للناس ورحمة منا ، وكان أمراً مقضياً » آيات 20 ، 21 هـــو : أرى إتفاق قرآنكم مع إنجيلنا فِى أن مريم قد حبلت وولدت بدون زرع بشر ! لكن إن كان الجنين يتكون فِى رحم أمه من بويضة ( منها ) وحيوان منوى (من رجلها) فكيف تكوَّن الجنين " عيسى " فِى رحم مريم العذراء ؟ هــى : قرآننا لم يَفُتْهُ هذا التوضيح : - ففِى سورة الأنبياء آية 95 يقول الوحى : والتى أحصنت فرجها ( أى حفظت بتوليتها ) فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وإبنها آية للعالمين ( حيث تلد بدون زرع بشر ) . وأظن أن تلك النفخة من روح الله هى التى أنشأت الجنين فِى بطن مريم . - وفِى سورة النساء 171 : إنما المسيح عيسى إبن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه . هـــو : حسب شهادة القرآن فالمسيح رسول الله ، كلمة الله ، وروح من الله . ماذا تعنى هذه الكلمات بالنسبة لكِ ؟ هــى : رسول الله أى أن ألله أرسله لتنفيذ وتكميل مشيئة الله بين الناس ، وسيدنا عيسى فِى خضوع تام لهذه الإرسالية يقرر « إنى عبد الله أتانى الكتاب وجعلنى نبياً » مريم 30 هـــو : ربما تستغربين إن قلت لكِ أن هذا هو إيماننا أيضاً ، فالمسيح من حيث ناسوته أى تجسده فِى صورة بشرية صار عبداً لله ، هذا ما يقرره الإنجيل « الذى كان فِى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله لكنه أخلى ذاته آخذاً صورة عبد .. » فِى 2 هــى : هذه شهادة أعتز بها لقرآنى الذى يشهد شهادة حق ! هـــو : وماذا عن كلمة الله ؟ هــى : ( بعد أن سكتت لدقائق ) ... الحقيقة هذه الكلمة حيّرت العلماء والفقهاء لكنى أتذكر ما قاله الطبرى : « إن كان المسيح هوكلمة الله فإنه من البديهى أن يكون هو المتمم لإرادة الله وقصده حيث أن الله نفسه يدعوه ( كلمة الله ) فمن الواضح أن يكون المسيح هو الطريق إلى الله » هـــو : وهذا ما شهد به المسيح : « أنا هو الطريق ( إلى الله الآب ) والحق والحياة » . إن كان المسيح هو رسول الله لكونه صار جسداً ، إلا أنه كلمة الله من حيث لاهوته وجوهره ، فهو موجود منذ الأزل كما يقول القديس يوحنا « فِى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله ، وكان الكلمة الله » يو 1 : 1 تبقى كلمة " روح منه " ! هــى : فسرها الزمخشرى فِى تفسيره لسورة المؤمنين أنها تعنى أن المسيح هو روح الله . وفسرها الإمام البيضاوى بنفس التفسير مفصِّلاً لماذا دُعى المسيح روح الله ، فقال : لأنه كان يحيى الأموات وقلوب البشر ! أما الإمام الرازى فقال مجيباً عن نفس السؤال : أن المسيح هو واهب الحياة لذلك دُعى روح الله ! هـــو : أذكر يوم أن تجرأ الإمام الخومينى ( الإمام والمرشد الأعلى الأسبق لإيران ) وإدعى أنه " روح الله " فرد عليه الملك الحسن ملك المغرب السابق قائلاً : لا يوجد من يستطيع أن يقول أنه روح الله أو كلمة الله إلا المسيح إبن مريم ! وإستطرد هو قائلاً : هل يجوز أن أفصل بينك وبين روحك ؟ ألستِ وروحك كياناً واحداً ؟ فلماذا إذاً تفصلون بين الله وروحه أو الله وكلمته ؟ أليس الله وروحه كياناً واحداً إذاً لماذا لا تقرون أن المسيح ( روح الله وكلمته ) كياناً واحداً مع الله ! هنا بدأ الإزدحام على المكتبة وعلى الريون الذى تقف عنده " هى " فإنتبه " هو " مقتضباً :
هـــو : أخذت من وقتك الكثير وإستفدت من حوارك أكثر! هــى : سعيك لمعرفة رأى قرآننا يوحى إلىّ أنك تصدقه وتؤمن به ! ( قالت هذه الكلمات فِى تلعثم تخفِى بها شكوكاً بدأت تتصارع بداخلها حول حقائق بدت واضحة كالشمس ) . هـــو : لا أخدعك ، فإيمانى اليقين هو بإنجيلى ، ومعرفتى اليقينية أستقيها من كلماته ، وحينما أبحث عن رأى القرآن فليس بالضرورة لكى أؤمن به ، بل لأقف مستغرباً لماذا لا تؤمنون أنتم بما جاء به ! وإستطرد : هل تمانعين فِى معرفة إسم حضرتك ؟ هــى : إسمى مريم . أحب إسمى كثيراً لأنى أحب ستنا مريم كثيراً ، وأصوم صومها وأطلب بركتها ! هـــو : ما سر حبك ؟ هــى : لقد ظهرت لى ورأيتها فِى مجدها ! هـــو : إذاً لماذا لا .... هــى : مشيرة إلى الإزدحام .. ليس وقته الآن ! |