قالها غبريال الملاك لزكريا حين بشره بولادة المعمدان ، وقالها أبونا لأحد التائبين فِى قصة عجيبة ، هذه أحداثها : خرجت للإفتقاد .. أخرجت مفكرتى لأخذ بعض العناوين ، فقرأت عنواناً واحتفظت به فِى ذهنى ، إسم الشارع ورقم البيت ورقم الشقة .. ذهبت إلى الشقة حسب العنوان الذى التقطته عيناى .. استغربت ! فهذا البيت لم أدخله من قبل ، ربما أخطأت العنوان ! أخرجت مفكرتى ثانية فوجدتنى فعلاً قد أخطأت الشارع ، للتشابه الشديد بين أسماء الشوارع ، لكننى لا استطيع أن أتراجع ، فقد طرقت باب الشقة وخجلت أن أنزل قبل أن يُفتح الباب! وفعلاً لحظات وانفتح الباب ووجدتنى أمام رجل ناهز الأربعين من عمره ، مُشعث الشعر (ملبد ، غير نظيف وغير ممشط). بادرنى على الفور : نعم ؟ كنت فِى هذه الأثناء ، قد لمحت صورة معلقة على الحائط ، صورة دينية لنتيجة مسيحية ، فقلت فِى نفسى حسناً ، وإن كنت قد أخطأت العنوان ، لكن لا بأس من الزيارة ، فهذا بيت مسيحى ! قلت : أنتم مسيحيون ؟ قال : نعم .. لكن كيف حصلت على عنواننا ؟ من أعطاك إياه؟
قلت : ما دمتم مسيحيين فأنا أزوركم ! قال : تفضل ! ( لكن بدا عليه اضطراب لا أعرف سببه ) . أحسست فِى نفسى أن فِى الأمر شيئاً ، شيئاً غريباً ! وفعلاً ، ما أن دخلت إلى داخل ، وأغلق الرجل الباب خلفِى حتى كرر سؤاله بحيرة ولهفة بالغة : أرجوك أخبرنى من أعطاك عنوانى . قلت : ممكن أجلس ؟ قال : تفضل ! .. وظل الرجل واقفاً أمامى ، فقلت له بهدوء شديد أرجو أن تستريح أولاً ، وأنا أقول لك ! جلس الرجل إلى جوارى ، وعلامات الاستغراب ما تزال مرتسمة على وجهه ! بادرته : لماذا أنت مضطرب هكذا ؟ ألم تر كاهناً من قبل ؟ سوف لا أقول لك كيف أتيت إليك ما لم تخبرنى أولاً لماذا أنت هكذا ؟ قال : ( وقد ملكه انفعال عجيب ) أمرى عجيب للغاية ! أكاد لا أصدق ما أنظره بعينى وأعيشه هذه الأيام ! أنا على ما ترى أعيش بمفردى فِى هذه الشقة ، وأنا مغترب هنا فِى الإسكندرية منذ أكثر من عشرين سنة ، كنت قبلها أعيش فِى بلدة صغيرة وسط أسرة مسيحية ، شاباً متديناً ولى علاقة حية بالمسيح ، مواظباً على الأسرار .. أكملت دراستى ثم عُينت موظفاً بالإسكندرية . بدأت حياتى الروحية ينتابها شئ من الفتور : تقصير فِى الصلاة ، أصدقاء سوء ، لا مبالاة .. ثم حياة الخطية فِى كل صورها وأساليبها ، أحسست بالضياع . فِى البداية كان ضميرى يصحو بين الحين والحين ، افتقد حياتى مع الله وكنيستى ، ولكن تجاهلى لصحوات الضمير هذه كان يميت أى فكرة للتوبة والرجوع ، فِى مهدها ! لى الآن أكثر من عشرين سنة ، نسيت فيها كل شئ ! تصور أننى لم أتناول طوال هذه المدة ، والغريب أننى منذ أسبوعين وبلا أى مقدمات ، تحركت أحشائى كالبركان ، إحساسات توبة ورجوع إلى الله ، دموع صادقة تنفجر من عينى . لقد رجعت إلى وقفات الصلاة . بحثت عن انجيلى حتى وجدته فِى كومة كتب قديمة مكدسة عندى . إننى أقرأه بشغف عجيب ، كلماته مثل سهام مبريَّة تخترق جدران قلبى ، لقد سقط العالم كله من نظرى ، ولست راغباً فِى شئ منه ! قلت : ولكن فِى هذه الآونة الأخيرة ، ألم تحضر اجتماعاً ؟ ألم تسمع عظة ؟ ألم تقابل خادماً ؟ قال : على الإطلاق ! .. وهذا ما يجعلنى فِى غاية الغرابة . لقد تغير برنامج يومى تماماً . فأنا أعود من عملى ، وأغلق باب شقتى ، وأظل فِى صلواتى ودموعى وإنجيلى كل الوقت حتى ساعة متأخرة من المساء . ثم أنام لأستيقظ فِى الصباح . قلت : والأصدقاء ؟ قال : إنهم فِى غاية الاستغراب والحيرة من أمرى ! يحاولون معى كل يوم ! بعضهم يظن أننى مريض باكتئاب ، وبعضهم منذهل من تغيير طباعى وكلامى وسيرتى . لكن على العموم ، قد زهدت الأصدقاء والناس جميعاً . الآن أجد لذتى فِى أعمال التوبة داخل مخدعى . ولكن الأمر الأكثر غرابة أننى كنت أخشى أن تكون هذه المشاعر وقتية وعابرة ، أو أنها ليست من الله ! وأمس فقط وأنا أصلى وأبكى أمام الله توسلت إليه بدموع قائلاً ، أعطنى يارب علامة ، بها أعرف أنك قبلتنى ، ورغم كثرة خطاياى وأثامى ، تجاسرت أن أطلب هكذا وقلت فِى الصلاة : هذه هى العلامة أن ترسل لى كاهناً لكى اعترف أمامه ، واشعر أن توبتى ووسيلتى قد وجدت دالة أمامك ! اخدتنى رعدة وأنا أسمع هذه الكلمات من هذا الرجل ! ومجدت المسيح إلهى الذى يعمل بروحه القدوس فِى توبة أولاده ، عندما يغيب الخدام . يعمل فِى القلوب ويرد إليه خروفه الضال ، ويجد درهمه المفقود ! قلت : إذن أعطاك الرب سؤل قلبك ! قال : نعم يا أبى ولكن أرجوك عرفنى ، كيف حضرت إلى هنا؟ أخرجت مفكرتى للمرة الثالثة ، وأشرت إلى العنوان المكتوب فيها : رقم البيت ورقم الشقة مطابقين لعنوانه مع اختلاف الشارع. قلت : إن الله يعمل معنا عظائم حقاً ، لقد أخطأت فِى قراءة العنوان فأتيت لك من قِبَل الرب ! صلينا معاً بحرارة وشكرنا المسيح الحنون ، الراعى الصالح ، وقدمنا سجودنا القلبى لقابل الخطاة محب البشر . ثم قدم هذا الأخ اعترافاً ، يسجل فِى السماء ، كخاتم لتوبة صادقة مقبولة أمام الله . قرأت له التحليل وانصرفت ممجداً الله ، وصارت لنا بعد ذلك لقاءات متكررة ، وصار يحضر إلى الكنيسة بشوق وعطش وجوع للبر ، وكانت النعمة تشبعه حسب وعد الرب " طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون " عن كتاب : رائحة المسيح . جزء أول للقمص لوقا سيداروس
|