تـُرى أى منظر ؟ ومن الذى دعاه عظيماً ؟ وما سر عظمته ؟ إنه المنظر الذى تتغنى به الكنيسة طوال شهرها المريمى ، شهر كيهك ، والمذكور فِى خروج 3 « وظهر له ملاك الرب بلهيب نار من وسط العليقة ، فنظر وإذا العليقة تتوقد بالنار ، والعليقة لم تكن تحترق . فقال موسى : أميل الآن لأنظر هذا المنظر العظيم . لماذا لا تحترق العليقة » خر 3 : 2 ، 3 تـُُرى ، ما هى العليقة . ومن أين أتتها النار ؟ ولماذا لم تحترق ؟ وإلام ترمز العليقة المشتعلة بالنار ؟ من إسمها نفهم أن العليقة هى من النباتات العالقة التى تعتمد فِى نموها على التسلق ، وتلتف حول الدعائم القريبة منها أو ترقد على سطح الأرض زاحفة ، أو تُكوّن شجيرات شوكية .
والكتاب المقدس يجمع بين العُليق والشوك فِى معنى واحد . هل تذكر قول الرب « لأن كل شجرة تُعرف من ثمرها . فإنهم لا يجتنون من الشوك تيناً ، ولا من العليق عنباً » لو 6 : 44 والقديس متى أورد نفس الآية بكلمات مترادفة « من ثمارهم تعرفونهم ، هل يجتنون من الشوك عنباً ، أو من الحسك تيناً ؟ مت 7 : 16 ، 17 واضح إذاً أن الشوك والحسك والعُليق عائلة واحدة ، يضاف إليهم نبات رابع بنفس المعنى وهو العوسج.. كلها نباتات عالقة وشائكة . وأظنك تحفظ المثل " علشان الورد ينسقى العليق " . وتجدر ملاحظة أن هذه النباتات الشوكية لم تكن ضمن خليقة الله الأصلية حين خلق النباتات فِى اليوم الثالث ، وإنما خُلقت ، كما تذكر ، بعد أن أخطأ الإنسان وجاء عقاب الله لآدم « ملعونة الأرض بسببك .. شوكاً وحسكاً تنبت لك وتأكل عشب الحقل » تك 3 : 17 ، 18 فهى إذاً نباتات تخرجها الأرض دون أن تزرعها يد إنسان . تخرج من الأرض ولا يُعلم من الذى زرعها ، ومتى بُذرت بذارها فِى عمق التربة ! ألا يذكرنا هذا بالرب يسوع الذى جاء إلى عالمنا بدون زرع بشر، فلا لِرَجُلٍ فضل فِى ولادته ، وليس لأب بشرى فضل فِى وجوده ! والآن تـُرى إلى أى شئ تشير النار ؟ لقد ذُكرت النار كثيراً فِى الكتاب لتدل على معان كثيرة ، روحية ولاهوتية ! ونار العليقة تشير إلى حلول الله الكلمة ، وإن كان الرب إلهنا ناراً آكلة عب 12 : 29 إلا أن هذه النار لم تكن آكلة فِى العليقة التى لم تحترق ! أما تلك العليقة المشتعلة بالنار ولم تحترق ، فقد أفاض الآباء فِى شروحاتهم لها وتأملاتهم فيها ... (1) الله مزمع أن يحوّل العقوبة إلى خلاص ! لكن كيف؟ تـُرى ما هى العقوبة؟ وكيف تتحول إلى خلاص؟ الشوك كان عقوبة لخطية آدم « ملعونة الأرض بسببك .. شوكاً وحسكاً تنبت لك » تك3: 18 وهو نفسه الذى حل فيه الله ( فِى العليقة ) ، ومنه أعطى وعداً لموسى بالخلاص ! « قد رأيت مذلة شعبى ( اليهود فِى مصر ) ... فنزلت لأنقذهم » خر 3 : 7 ، 8 وخلاص إسرائيل من عبودية فرعون ما هو إلا ماكيت مصغر للخلاص الذى كان الرب يسوع مزمعاً أن يكمله فِى ملء الزمان لكل البشرية! لذلك نجد أن الشوك الذى كان عقوبة لآدم قد وُضع إكليل منه على رأس يسوع فسال منها الدم الكريم ، خلاصاً لكل الشعوب ! وإذا كان الشوك ( كعقوبة ) يقترن بالموت ( كعقوبة أيضاً : موتاً تموت ) حسب قول الكتاب « أين شوكتك يا موت ... » إلا أن الله إختاره ليعلن من خلاله ( أى العليقة ) عن حياة جديدة لبنى إسرائيل ولكل شعوب الأرض ! وهكذا صار الشوك شاهداً على وعد الخلاص لبنى إسرائيل ( من خلال العليقة ) ونازفاً لدم الخلاص بيسوع المسيح ( من خلال إكليل الشوك ) ، وهكذا تحولت العقوبة إلى خلاص ! ملحوظة : وُضع الشوك على رأس ربنا يسوع ( النار الآكلة ) ومع ذلك لم يحترق الشوك ! (2) وفيها أيضاً رأوا سر التجسد الإلهى أى إتحاد اللاهوت بالناسوت ! فإن كانت النار تشير إلى اللاهوت ، فالعليقة تشير إلى الناسوت ! تـُرى هل إحترق الناسوت عندما إتحد باللاهوت ؟ هذا ما أعلنته العليقة : تتوقد بالنار .. ولم تكن تحترق ! هذا هو المنظر العظيم الذى مال موسى لينظره ! هذا هو سر التجسد ! « لأن فيه ( فِى المسيح ) سُر أن يحل كل ملء اللاهوت جسدياً » كو 1 : 19 ، 2 : 9
عزيزى ... تأمل هذا التعبير الرائع الذى أورده موسى حين بارك الأسباط « وليوسف قال : مباركة من الرب أرضه .. ومن نفائس الأرض وملئها ورضى الساكن فِى العليقة فلتأت على رأس يوسف وعلى قمة نذير إخوته » تث 33 : 13 – 16 تُرى .. هل أدرك موسى سر التجسد ، وفهم أن حلول الله فِى العليقة لم يكن حلولاً مؤقتاً بل حلولاً أبدياً ! لذلك أطلق عليه « الساكن فِى العليقة » ؟ هل أدرك إتحاد اللاهوت بالناسوت وما نردده الآن أن لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين ! بالتأكيد .. فقد عبَّر أن اللاهوت ساكن فِى الناسوت ! (3) هى أيضاً رمز لأمنا العذراء وهو الرمز الذى تتغنى به ثيئوطوكية الخميس ومديحتها الكيهكية : العليقة التى رآها موسى النبى فِى البرية
والنيران تشعل جواها ولم تمسسها بأذيةمثال أم النور طوباها حملت جمر اللاهوتيةتسعة أشهر فِى أحشاها وهى عذراء ببتولية+ كيف حَمَلْتِ يا مريم مَنْ تحترق الجبال من رؤيته ! + كيف حملتِ فِى أحشاك من لا يراه الإنسان ويعيش ! حقاً هو إتضاعك يا أم النور ! (4) والقديس أمبروسيوس يكشف لنا سراً آخر من أسرار العليقة المشتعلة ، إذ يرى فيها إشارة إلى حلول الله فِى طبيعتنا الممتلئة أشواكاً ، ليبيد منا أشواك الخطية ! هو الذى سيعمد بالروح القدس ونار ، لكيما يعطى النعمة ويبيد الخطية ! عزيزى .. ألم نَصِر هيكلاً لروح الله ؟ أليس هذا كلام ق. بولس " ألستم تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله ساكن فيكم ". تـُُرى هل إحترقنا بنار لاهوته ! ألا نُحسب منظراً عظيماً كالذى مال موسى لينظره ! (5) العليقة المشتعلة ، حسب تعبير التلمود اليهودى ( الذى يضم كل تعاليم الربيين والمفسرين ) ، هى رمز لشعب إسرائيل فِى كل مراحل حياته فِى أرض العبودية ، مصر ، كانوا فِى بؤس وشقاء مثل شجرة شائكة تتوقد بأتون الذل وتكتوى بالسخرة من المصريين ! لكن هل إحترق بنو إسرائيل ؟ هل باد إسمهم ؟ إسمع شهادة الكتاب : « .. لكن بحسبما أذلوهم هكذا نموا وإمتدوا » خر 1 : 12 أى كلما إشتعلت النيران وتوهجت كلما نمت الشجرة وترعرعت ! جاءوا إلى مصر كأسرة تضم 70 فرداً ، وخرجوا منها أمة عظيمة ! فِى أول تعداد للذكور البالغين حاملى السلاح كان عددهم 603550 ، خرجوا إلى سيناء الذى مات فيها كل هؤلاء ( أى كل جيل مصر ) ما عدا يشوع بن نون وكالب بن يَفُنَّة . ومع هذا ، فِى التعداد الذى سبق دخولهم إلى ارض كنعان ( أى بعد 40 سنة فِى سيناء ) كان عددهم 601721 ( ولدوا جميعهم فِى سيناء ) .. لقد أحاط الفناء الجماعى بإسرائيل ، وإسرائيل لم يحترق ! وفِى بلادهم تعرضوا للسبى ، إلى آشور وإلى بابل .. ومع ذلك بقيت إسرائيل ، ولم تحترق ! وفِى سنة 70 م تشتتوا فِى كل أرجاء العالم بعد أن حاصرهم القائد الرومانى تيطس .. ورغم هذا فبقية إسرائيل باقية ، معدة لقبول الخلاص « وهكذا سيخلص جميع إسرائيل ..» رو 11 : 26 (6) العليقة المشتعلة تحل لنا عقدة إسخاطولوجية ( أى أ ُخروية – أى تخص الآخرة ).. كيف يُعاقَب الأشرار إلى الأبد ؟ كيف تظل نار جهنم مشتعلة فيهم من غير أن تفنيهم ؟ لقد تساءل إشعياء قديماً « مَنْ منا يسكن فِى نار آكلة . مَنْ منا يسكن فِى وقائد أبدية » إش 33 : 14 حقاً علمنا أن نار جهنم تؤثر فِى المعذبين لكن لا تقضى عليهم ولا تفنيهم ولا يموتون من لظاها ! هل تذكر كلام يسوع عن نار جهنم ؟ « خيراً لك أن تدخل ملكوت الله أعور من أن تكون لك عينان وتُطرح فِى جهنم النار حيث دودهم لا يموت والنار لا تُطفأ لأن كل واحد يُملَّح بنار وكل ذبيحة تُملَّج بملح » مر 9 : 47 – 49 فكما يُستخدم الملح لحفظ الطعام من التحلل والفساد الذى يؤدى إلى الفناء ، ستكون النار أيضاً لحفظ أجساد الأشرار من الفناء ! أخيراً ... عزيزى « فلما رأى الرب أنه مال لينظر ، ناداه الله من وسط العليقة وقال موسى موسى .. فقال هأنذا » خر 3 : 4 ناداه الله حينما مال لينظر ! وربما لو لم يكن قد مال لينظر ما كان ناداه الله ! ماذا يعنى هذا ؟ يعنى أن كثيرين يعبرون على العليقة المشتعلة ولا يميلون لينظروا ، ولا يجهدون عقولهم فِى محاولة للفهم ، ولا يسعون للسؤال لكيما يدركون .. هؤلاء يدعهم الله وسبيلهم ! أما الذى يميل لينظر فهذا يعنى أنه يسعى ليدرك أسرار الله فيما حوله ، هذا يناديه الله بإسمه مظهراً له ذاته .
|