تصادقنا منذ نعومة أظافرنا بحكم جيرتنا .. سُقينا من أهالينا إحترام الآخرين ، وإن إختلفوا معنا فِى الدين أو العقيدة ولسان حالنا « لىّ دينى ولكم دينكم » .. هكذا نشأت وترعرعت علاقتنا وصداقتنا .. هو يصلى فاتحته وأنا أصلى أجبيتى ، هو يركع ركعاته وأنا أسجد لإلهى ، يصوم رمضانه وأصوم أصوامى .. يتعبد لإلهه فِى مسجده وأعبد مسيحى فِى كنيسته . تتلمذنا ، تعلمنا ، تخرَّجنا ، إشتغلنا فإنشغلنا وتباعدنا بحكم أعمالنا .. مرت شهور كأنها دهور .. رأيته من بعيد .. ركضت مسرعاً .. تقابلنا وتعانقنا ، تساءلنا عن أحوالنا ثم بادرنى وقال : رغم إنتشار الفضائيات وكثرة ما تبثه من حوارات حول الديانات إلا أن الحوار معك له نكهة لذيذة ومذاق خاص .
قلت : الله يديم محبتنا بقدر أشواقنا ! قال : قرأت فِى إنجيل يوحنا الإصحاح الـ 17 ما جعلنى أتيقن أننا نحن المسلمون أقرب إلى الحياة الأبدية ، بل أقول أننا قد حصلنا عليها ! قلت : أعرف ما قرأت ! فهو كلام يسوع وهو يناجى الآب « هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك ، ويسوع المسيح الذى أرسلته » يو 17 : 3 قال : إن كانت الحياة الأبدية هى أولاً معرفة الله ، الإله الحقيقى وحده ، فهذا إيماننا ونحن لا نشرك بالله ، وثانياً هى معرفة يسوع المسيح الذى أرسله الله وأظن أنه لا يوجد مسلم ينكر أن عيسى إبن مريم هو رسول من الله . قلت : لك حق فيما توصلت إليه ! لكن ألم تستوقفك آيات أخرى فِى نفس الباراجراف ؟ كيف فهمت الآية الأولى منه « أيها الآب قد أتت الساعة ، مجِّد إبنك ليمجِّدك إبنك أيضاً » يو 17 : 1 ( بالتأكيد تعلم أن المسيح هو إبن الله الآب ) ، فحينما يمجد الإبن الآب ، والإبن يمجد أباه ، ألا تستشعر فيها المساواة فِى المجد الإلهى للآب والإبن ؟ هل يُستعلن مجد الإبن بدون الآب ؟ أو يُستعلن مجد الآب بدون الإبن ؟ قال : صدقنى لست أفهم ما يعنى مجد الآب ولا مجد الإبن؟ وأراك تُدخلنى فِى متاهات لست أعلم أغوارها ! قلت : حينما يمجد الآب الإبن فهو يستعلن طبيعته الإلهية للعالم ! قال : كيف ؟ قلت : حينما يقوم الإبن من الموت منتصراً على شوكته ، فهذا أكبر دليل على طبيعة المسيح الإلهية التى لا تُمسَك من الموت ( خلاف كل البشر الذين أُمسكوا منه ) هذا ما أعلنه ق. بولس فِى إفتتاحية رسالة رومية « .. عن إبنه ، الذى صار من نسل داود حسب الجسد وتعيَّن إبن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات » رو 1 : 3 ، 4 قال : وما معنى تمجيد الإبن للآب ؟ قلت : بتكميل خطة الخلاص التى بدأت بإرسال الآب لإبنه وإنتهت برجوع الإبن إلى حضن أبيه بعد إتمام الخلاص . وإستطردت كلامى مع محدثى وقلت : هل معرفة يسوع المسيح ضرورية لنوال الحياة الأبدية؟ قال : هذا ما تقوله الآية : معرفة الله الإله الحقيقى وحده و( معرفة ) يسوع المسيح الذى أرسله . قلت : هل توضع معرفة الإله الحقيقى مع معرفة يسوع المسيح فِى كفة واحدة قال : ماذا تقصد ؟ قلت : هل يجوز أن يوضع الله الخالق مع يسوع المخلوق ( كما تدعون )؟ هل يُشترط معرفة يسوع جنباً إلى جنب مع معرفة الإله الحقيقى كشرط لنوال الحياة الأبدية ؟ قال : أكرر تساؤلى ، ماذا تقصد ؟ قلت : ألا يُحتسب هذا دليل أن يسوع المسيح ليس بمخلوق وإنما يوضع فِى مرتبة واحدة مع الله الخالق ! ألا يُعتبر هذا دليل على ألوهية المسيح ! وأنه من نفس جوهر الله وطبيعته ! قال : منطقك لا أستطيع أن أرده ، وفلسفتك واقعية ومنطقية . قلت : إن كنت قد قرأت إنجيل يوحنا ، فثمة نقطة أخرى أطرحها أمامك ، ويجيبك عليها ق. يوحنا : كيف يعرف الإنسان الإله الحقيقى ؟ قال : لست أرى صعوبة فِى الإجابة ، فكلنا نعرف الله ونؤمن بقدرته وأنه هو خالق السموات وما فيها . والأرض وما عليها . قلت : إنتبه يا صديقى ! فمعرفة الله ليست كمعرفة الناس أو الأشياء أو المعارف العالمية ، فهذه نعرفها بالفعل المحسوس العامل فِى مُخِّنا البشرى ، أما معرفة الله فلا تُؤتَى بالعقل ، بل بالوعى الروحى فيدركه . والإستعلان يأتيه من فوق ، من خارج الكيان الإنسانى ، بالخبر الإلهى ، أى البشارة بأمور الله المفرحة والسارة . سواء بالكلمة المنطوقة ( أى حينما يتكلم الله مع الإنسان كما كان يتكلم مع موسى فماً لفم ) أو المكتوبة ( الوحى الإلهى المسجل فِى الكتب المقدسة ) أو الرؤيا ( حينما يتراءى الله لإنسان فِى حلم أو رؤيا ) . قال : وأين إجابة ق. يوحنا فِى كيفية معرفة الله ؟ قلت : ق. يوحنا يقرر أن معرفة الله متوقفة على الإبن يسوع المسيح ، بل هى من أخصّ وظائفه ! « الله لم يره أحد قط ، الإبن الوحيد ( يسوع المسيح ) الذى فِى حضن الآب هو خبَّر » يو 1 : 18 فالمسيح هو الذى خبَّرنا عن الله الآب ، فقد رأيناه فيه ! وفِى حديثه مع اليهود يستنكر يسوع معرفتهم للآب لأنهم لم يعرفوا الإبن « لو عرفتمونى لعرفتم أبى أيضاً » يو 8 : 19 واضح أن معرفة الإبن تقود حتماً إلى معرفة الآب ! بل يربط المسيح بين رؤيته ورؤية الآب مؤكداً ألوهيته « الذى رآنى فقد رأى الآب » يو 14 : 9 ففِى المسيح يسوع رأينا الله الآب . وإستطردت كلامى مع محدثى وقلت : فِى نفس الباراجراف يا عزيزى ، يكرر المسيح طلبه من الآب « والان مجِّدنى أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم ... كل ما هو لى فهو لك ، وما هو لك فهو لى » يو 17 : 5 ، 10 ما رأيك فِى هذه المعادلة إن كان كل ما هو لله الآب هو لإبنه يسوع أيضاً ، والعكس صحيح . أليس هذا دليل على مساواة الإبن للآب ، وأن الإبن يسوع المسيح إله حقيقى ! قال : هل ذكر كتابكم صراحة أن المسيح إله حقيقى ؟ قلت : القديس يوحنا الذى أورد على فم المسيح أن الله هو " الإله الحقيقى وحده " قال أيضاً عن المسيح « ونحن فِى الحق ، فِى إبنه يسوع المسيح هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية » 1 يو 5 : 20 تُرى هل يحصل أحد على الحياة الأبدية بدون المسيح والمسيح نفسه هو الحياة الأبدية ! أليس هذا ما شهد به ق. بطرس أمام رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب عن يسوع أنه « وليس بأحدٍ غيره الخلاص . لأن ليس إسم آخر تحت السماء قد أُعطى بين الناس به ينبغى أن نخلص » أع 4 : 12 وأيضاً القديس يهوذا فِى رسالته يطلق صفة الألوهية الوحيدة على يسوع المسيح « الإله الحكيم وحده مخلصنا له المجد والعظمة والقدرة والسلطان الآن وإلى كل الدهور آمين » ع25 قال : تعكسون الآيات .. تارة تطلقون على الله « الإله الحقيقى وحده » ، وأخرى تطلقون على المسيح « الإله الحكيم وحده » ! قلت : هذا يؤكد المساواة بينهما . فحينما يتحدث الكتاب عن ألوهية أحد الأقانيم فهذا لا يعنى إلغاء ألوهية الأقنومين الآخرين ! قال : هل من تعليق آخر على تلك الآية التى بدأنا بها ؟ قلت : تعليق أخير .. عندما قال السيد المسيح « أنت الإله الحقيقى وحدك » فهو لا يقارن بين الآب وبينه كإبن . بل بين الآب الذى يعبده اليهود " يهوه " وبين الآلهة الكاذبة التى يعبدها الأمم ، فكلام المسيح ليس لإنكار ألوهيته بل ألوهية الآلهة الكاذبة « والتى ليست آلهة حقيقية » قال : فِى كل مرة أحاورك ، أقف مبهوراً بعلمك .. مبهوتاً بفهمك .. ليتنا نفهم ديننا كما تفهم دينك ! قلت : أتمسك بفلسفة ق. بولس « لأنى عالم بمن آمنت » |